نخبة من الأكاديميين

744

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الإبتدائيّة والثانويّة الرسميّة إلّا على أنّهم تلاميذ المدارس العليا مستقبلًا . فلم يكن هذا النظام نظاماً تعليميّاً عامّاً غايته تأمين المعارف ، العلميّة وغير العلميّة ، لفئاتٍ أوسع من الشعب المصري . إنّ الاكتفاء بما قدّمناه في السطور السابقة من وصف للبُنى العلميّة التي أقيمت ، يبقينا عند قشور المسألة . فحتّى لو صحّ أنّ الدولة المصريّة ، بدت إلى حدٍّ ما ، على جهلٍ بالعلوم كعلوم ، هل كان بإمكان الذين كانوا مكلَّفين يوميّاً بتدريس هذه العلوم أو استخدامها كأدوات ، أن يتعاملوا معها بالطريقة نفسها ؟ ألم يكن من الطبيعي إدارة العلاقات بين هذه المعارف الجديدة والمجتمع المصري ، مع طرح الأسئلة ، بشكلٍ خاص ، حول شرعيّتها وتكييفها مع المجتمع أو حتى حول تأقلمها ؟ ألم يوجد في هذه الحالة شكلٌ من أشكال " الإنتاج العلمي " ؟ ولا نعني ب - " الإنتاج العلمي " ، فقط ، وجود باحثين مصريين يسهمون في " مسيرة العلم " ، إنّما نعني كذلك ، كل هذه الورشة المتكاملة التي هدفت إلى ترجمة العلوم الحديثة وإلى تكييفها وإلى نقلها إلى أُطُرٍ أخرى ؛ الورشة التي هدفت أيضاً إلى أن تفتح أمام العلوم في مصر ، مجالًا مؤسَّساتيّاً يتصوّرها ويطبّقها . تتطلّب الإجابة على هذه الأسئلة أن ننكبّ على مشاريع المسؤولين العلميين أنفسهم بمزيد من التفصيل ؛ هذا ما سنقوم به لاحقاً ، إذ لا بدّ قبل ذلك ، من التنبّه إلى وجود أناس آخرين ومؤسّسات ، عملت في مجال العلم ، لا تنتمي أبداً إلى الدول المستقلّة في المنطقة ، كما أنّها ليست مرتبطة مباشرة بالقوى الاستعماريّة كقوى استعماريّة ؛ نقول ذلك رغم اشتراكها مع هذه القوى ، في حركة التوسّع نفسها التي جعلتنا نتحدّث عن الإمبرياليّة الثقافيّة . نقصد بهذه المؤسّسات ، البعثات الكاثوليكيّة أو البروتستانتيّة ، الأوروبيّة أو الأميركيّة ، التي بدأت بالتمركز في المنطقة وبفتح المدارس فيها . 4 . البعثات الدينيّة الأوروبيّة والأميركيّة كان لهذه البعثات ، في الغالب ، ما يمكن أن نسمّيه أهميّة غير فعّالة فيما يخصّ نقل العلوم الأوروبيّة ؛ وهذه كانت حالة مصر . أمّا النعت بالأهميّة فعائد إلى أنّ المدارس التي أسّستها هذه البعثات كانت تؤمّن ، لطلّابٍ يُمكن مقارنة عددهم بعدد طلّاب المدارس الرسميّة ( « 1 » * ) ، تعليماً هو بالمبدأ ، أكثر انفتاحاً على العلوم من التعليم المرتكز إلى المنهج التقليدي الذي كان ما يزال جامداً على كل الأصعدة ؛ وأمّا النعت بعدم الفعاليّة فعائد إلى أنّ مستوى تعليم العلوم في هذه المدارس بقي ، في الواقع ، مستوىً ابتدائيّاً إلى حدّ ما ، وإلى أنّ غاية هذه المدارس لم تكن على الإطلاق ، منافسة المدارس العليا المصريّة على هذا الصعيد . ولكنّ الوضع في سوريا وفي بيروت خصوصاً ، كان مختلفاً فيما بعد ، حيث لعبت البعثة البروتستانتيّة الأميركيّة دوراً أكثر حيويّة بكثير وحيث كان للبعثة الكاثوليكيّة الفرنسيّة

--> ( 1 ) ( * ) نقصد ب - " المدرسة الرسميّة " ، المدرسة التابعة للنظام التعليمي للدولة ( المُترجِم ) .